تُعدّ الخصومة بين الأرجنتين وإنجلترا عداءً كروياً كلاسيكياً يجمع بين منتخب الأرجنتين الوطني لكرة القدم ومنتخب إنجلترا الوطني لكرة القدم، وكذلك بين جماهيرهما، وتُعتبر واحدة من أكثر الخصومات حدةً في عالم كرة القدم. وغالباً ما تُرافق المباريات بين هذين المنتخبين، حتى الودية منها، أحداثٌ مهمة وأحياناً مثيرة للجدل. وتمتاز هذه الخصومة بأنها عداءٌ عابر للقارات؛ إذ إن الخصومات الكروية من هذا النوع تنشأ عادةً بين دول متقاربة جغرافياً، مثل فرنسا–إيطاليا أو الأرجنتين–البرازيل. وفي الأرجنتين، تُعد إنجلترا أحد أبرز منافسي المنتخب الوطني، ولا تأتي إلا بعد البرازيل وألمانيا وأوروغواي. أما في إنجلترا، فتحتل هذه الخصومة أهمية كبيرة أيضاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى أحداثٍ غير كروية، وعلى رأسها حرب جزر الفوكلاند عام 1982.
حرب الفوكلاند 1982:
كانت حرب الفوكلاند (بالإسبانية: Guerra de las Malvinas) حرباً غير مُعلنة استمرت عشرة أسابيع بين الأرجنتين والمملكة المتحدة عام 1982، على إقليميْن بريطانيين فيما وراء البحار في جنوب المحيط الأطلسي: جزر الفوكلاند وتوابعها، وجورجيا الجنوبية وجزر ساندويتش الجنوبية. وبدأ النزاع في 2 أبريل 1982 عندما غزت الأرجنتين جزر الفوكلاند واحتلتها، تلاه غزو جورجيا الجنوبية في اليوم التالي. وفي 5 أبريل، أرسلت الحكومة البريطانية قوة بحرية لمواجهة البحرية وسلاح الجو الأرجنتينيين، أعقبها إنزالٌ برمائي على الجزر. واستمر النزاع 74 يوماً، وانتهى في 14 يونيو باستسلام الأرجنتين، وعادت الجزر إلى السيطرة البريطانية. وخلال الحرب، قُتل ما مجموعه 649 من العسكريين الأرجنتينيين، و255 من العسكريين البريطانيين، و3 من سكان جزر الفوكلاند.

ترك هذا الصراع آثاراً عميقة في كلا البلدين، وأصبح موضوعاً لعدد كبير من الكتب والمقالات والأفلام والأغاني. وفي الأرجنتين، ارتفع الشعور الوطني إلى مستويات كبيرة، لكن النتيجة غير المواتية أشعلت احتجاجات واسعة ضد المجلس العسكري، ما سرّع في سقوطه وعملية التحول الديمقراطي في البلاد. أما في المملكة المتحدة، فقد أُعيد انتخاب الحكومة المحافظة، التي عززها نجاحها في الحرب، في العام التالي بأغلبية أكبر. وكان التأثير الثقافي والسياسي للنزاع أقل في بريطانيا منه في الأرجنتين، حيث لا يزال موضوعاً متكرراً للنقاش.
كأس العالم 1986
كانت المباراة الرسمية التي بدأت الخلافات الحديثة بين المنتخبين في كأس العالم 1986 في المكسيك، ضمن الدور ربع النهائي. وجاءت هذه المواجهة شديدة التوتر بشكل استثنائي بسبب حرب الفوكلاند عام 1982 التي اندلعت قبل أربع سنوات بين جمهورية الأرجنتين والمملكة المتحدة، إذ رأى كثير من الأرجنتينيين في المباراة فرصةً للثأر من إنجلترا بسبب دورها في الصراع.
تقدّم المنتخب الأرجنتيني عبر هدفٍ مثيرٍ للجدل للغاية سجله دييغو مارادونا، الذي استخدم يده لوضع الكرة في الشباك. واحتسب الحكم التونسي علي بن ناصر الهدف، ما أثار غضب لاعبي إنجلترا وجماهيرها. وأصبح هذا الهدف يُعرف باسم "يد الله"، وهو تعبيرٌ جاء من وصف مارادونا المرح لكيفية تسجيله، واكتسب سمعةً سيئة في إنجلترا، خصوصاً بعد خسارة المنتخب المباراة ثم تتويج الأرجنتين بالبطولة لاحقاً.

وفي المباراة نفسها، سجّل مارادونا هدفاً ثانياً، صوّت عليه في عام 2002 كأفضل هدف في تاريخ كأس العالم، قبل أن يقلّص المهاجم الإنجليزي غاري لينيكر الفارق، لكن إنجلترا فشلت في التسجيل مجدداً لتنتهي المباراة 2-1. ورغم الإبداع الفني في الهدف الثاني، كتب مارادونا في سيرته الذاتية: "أحياناً أظن أنني كنت أفضل الهدف الذي سجلته بيدي... كان الأمر أشبه بسرقة محفظة الإنجليز." كما كتب بشأن حرب الفوكلاند: "كان الأمر كما لو أننا هزمنا بلداً، لا مجرد فريق كرة قدم... رغم أننا قبل المباراة قلنا إن كرة القدم لا علاقة لها بحرب الفوكلاند، كنا نعلم أنهم قتلوا هناك كثيراً من الفتيان الأرجنتينيين، مثل العصافير الصغيرة. وهذا بالضبط ما كان يُسمى بالثأر."

وقد زادت هذه المباراة من حدة الخصومة بين المنتخبين في إنجلترا بشكل كبير، إذ شعر الجانبان بأنهما حُرما من التأهل بسبب لمسة يد مارادونا. وتتضح أهمية هذين الهدفين لدى الإنجليز من خلال اختيارهما في المركز السادس ضمن قائمة قناة 4 لـ"أعظم 100 لحظة رياضية" عام 2002. وفي المقابل، رأت الأرجنتين في هذه المباراة ثأراً من حرب الفوكلاند، وكذلك انتقاماً من المباراة الظالمة في كأس العالم 1966.
كأس العالم 1998:
جاء اللقاء التالي بين البلدين في دور الـ16 من كأس العالم 1998، التي أُقيمت في سانت إتيان بفرنسا. وكانت هناك العديد من الجوانب البارزة في المباراة، منها هدفٌ عُدّ أحد أعظم الأهداف في تاريخ إنجلترا، سجله المهاجم الشاب مايكل أوين. كما تُذكر المباراة أيضاً بسبب طرد ديفيد بيكهام بالبطاقة الحمراء. فقد تعرّض بيكهام لعرقلة من دييغو سيميوني؛ وعندما نهض سيميوني، مرّر مفاصله على مؤخرة رأس بيكهام بينما كان الأخير مستلقياً ووجهه نحو الأرض على أرضية الملعب. وبعد أن سقط على الأرض، رد بيكهام بركلةٍ بقدمه تجاه سيميوني، الذي سقط بدوره على الأرض، ليقوم الحكم بطرد بيكهام.

وبعد اللعب بعشرة لاعبين، صمدت إنجلترا أمام هجمات الأرجنتين، ومع اقتراب المباراة من نهايتها، ارتقى سول كامبل برأسه وحوّل الكرة إلى الشباك وسط حالة من الارتباك داخل منطقة الجزاء الأرجنتينية. وبينما بدأ لاعبو إنجلترا الاحتفال بهدف الفوز، أطلق الحكم صافرته معلناً وجود خطأ، واحتسب مخالفة على آلان شيرر ضد الحارس الأرجنتيني قبل الهدف، ما جعل الهدف غير محتسب. ونُفِّذت الركلة الحرة بسرعة بينما كان لاعبو إنجلترا لا يزالون يحتفلون، ما اضطرهم للعودة سريعاً لمنع الأرجنتين من التسجيل. ومع نهاية الوقت الإضافي بقيت النتيجة 2-2. وفي ركلات الترجيح اللاحقة، فازت الأرجنتين 4-3، بعدما تصدى الحارس كارلوس روا لركلتين من ركلات إنجلترا.

وبعد المباراة، تعرّض بيكهام لانتقادات لاذعة من وسائل الإعلام البريطانية بسبب اندفاعه وسذاجته على الساحة الدولية؛ إذ حمل عنوان صحيفة ديلي ميرور في اليوم التالي وصفاً لمنتخب إنجلترا: "10 أسود أبطال، وصبي غبي واحد". وفي وقت لاحق، أدلى سيميوني بـ"اعتراف" أقرّ فيه بأنه تظاهر بالإصابة عمداً من أجل إقصاء بيكهام، وأن جميع زملائه حثوا الحكم على إشهار البطاقة الحمراء في وجهه.
كأس العالم 2002
أوقعت القرعة المنتخبين في مواجهة جديدة خلال دور المجموعات من كأس العالم 2002. وبعد أن أقصت الأرجنتين إنجلترا من اثنتين من آخر ثلاث بطولات كأس عالم، بلغت التوترات داخل إنجلترا مستوىً استثنائياً. وزاد من هذا التوتر أن إنجلترا اكتفت بالتعادل في مباراتها الافتتاحية أمام السويد، ما جعلها بحاجة إلى نتيجة جيدة أمام الأرجنتين لتجنب الخروج. وسجل قائد إنجلترا ديفيد بيكهام الهدف الوحيد في المباراة من ركلة جزاء احتُسبت بعد خطأ ماوريسيو بوكيتينو على مايكل أوين، وهو ما اعتبره كثيرون في الوسط الرياضي الإنجليزي بمثابة تعويضٍ عن طرد بيكهام قبل أربع سنوات.
وكما وصفتها صحيفة ذا تايمز في تقريرها عن المباراة: "بعد أن جرى التشهير به بسبب البطاقة الحمراء التي ساعدت في إقصاء إنجلترا من كأس العالم 1998 على يد الأرجنتين، يستيقظ هذا الصباح وهالته أكثر إشراقاً من أي وقت مضى." ورغم انتقاد اللاعبين الأرجنتينيين والجماهير لاحتساب ركلة الجزاء، فقد أُديت المباراة عموماً بروح جيدة، وإن كانت شديدة التنافسية، ولم يكن فيها شيء من المرارة التي سادت مواجهتي 1986 و1998.
كأس العالم 2026:

بعد أربعةٍ وعشرين عاماً، يلتقي الطرفان مجدداً على مسرح كأس العالم. والفرق الآن أن الأرجنتين، خلال هذه الأعوام الأربعة والعشرين، بلغت النهائي مرتين وتوجت باللقب مرةً واحدة، بينما استعادت إنجلترا قدرتها على المنافسة في كأس العالم فقط بعد بطولة 2014 تحت قيادة غاريث ساوثغيت وتوماس توخيل. ومن المؤكد أن هذه المواجهة الكلاسيكية ستتحول إلى واحدة من أكثر مباريات كأس العالم لهذا العام تنافسيةً وجاذبية.




